
في بلد لا تزال فيه ملفات حقوق الإنسان مفتوحة على أكثر من جبهة، من مخلفات الرق والتمييز الاجتماعي إلى أوضاع الفئات الهشة وملفات المظالم والاتجار بالبشر والحقوق المدنية، كان يفترض أن تكون مفوضية حقوق الإنسان والعمل الإنساني والعلاقات مع المجتمع المدني واحدة من أكثر مؤسسات الدولة حضورا وفعالية وانضباطا، لا مجرد إدارة ترفع الشعارات وتنتج البلاغات وتستهلك الاسم الثقيل الذي تحمله.
فهذه المفوضية، بحكم طبيعة اختصاصها، ليست قطاعا عاديا يمكن أن يختبئ خلف اللغة الخشبية أو العناوين البراقة أو الأنشطة البروتوكولية، لأنها يفترض أن تكون في تماس مباشر مع المظلومين، وأن تمثل قناة إنصاف للفئات الهشة، وأن تكون يقظة في مواجهة الانتهاكات، سريعة في استقبال التظلمات، واضحة في مساطرها، صارمة في متابعة الملفات، ونزيهة في تسيير المال العمومي المخصص لها.
لكن الصورة التي تتسرب اليوم من داخل هذه المؤسسة، وما يثار حولها في الأوساط الإعلامية وبعض دوائر المتابعة، يشي بشيء مختلف تماما. مفوضية تبتعد شيئا فشيئا عن الدور الذي أنشئت من أجله، وتغرق في اختلالات إدارية ومالية ووظيفية، إلى الحد الذي يجعل السؤال مشروعا: هل نحن أمام مفوضية لحقوق الإنسان والعمل الإنساني، أم أمام جهاز إداري ثقيل فقد بوصلته وانشغل بالواجهة أكثر من انشغاله بالوظيفة؟
بحسب مصادر خاصة تحدثت لموقع حرية ميديا، فإن مفوضية حقوق الإنسان والعمل الإنساني باتت خارج السياق الذي أنشئت من أجله، فلا عمل إنسانيا يوازي ما يفترض أن تضطلع به، ولا حضورا حقوقيا فعليا يعكس حجم الملفات التي يفترض أنها بين يديها، ولا حتى انتظاما إداريا يعطي الانطباع بأن المؤسسة تشتغل بمنطق واضح ومسؤول.
وتتحدث هذه المصادر عن مكاتب مغلقة، وملفات متراكمة على الطاولات منذ تعيين المفوض، وملفات أخرى ضائعة أو معلقة من دون معالجة، ومسؤوليات غائبة، ومشهد إداري مرتبك، ومسؤولين يبحث بعضهم، وفق هذه الإفادات، عن منافع شخصية أكثر مما يبحث عن أداء الواجب العام.
وإذا كانت هذه المعطيات تحتاج بطبيعة الحال إلى افتحاص مؤسسي يثبتها أو ينفيها، فإن مجرد تداولها بهذا الشكل داخل مؤسسة من هذا النوع كاف وحده لإطلاق ناقوس الخطر.
فالمشكلة هنا لا تتعلق بمرفق عادي يقدم خدمة إدارية بسيطة يمكن أن يحتمل فيها البطء أو الارتباك، بل بجهاز يفترض أن يلجأ إليه من لا يملكون في الأصل الكثير من أدوات الدفاع عن أنفسهم.
وحين تصبح المؤسسة التي يفترض أن تحمي الحقوق موضع حديث عن الإغلاق والتعطيل والضياع، فإن الأزمة لا تعود أزمة إدارة فقط، بل أزمة معنى ووظيفة وثقة.
الأخطر من ذلك أن الشهادات المتداولة لا تتوقف عند حدود البطء أو ضعف الأداء، بل تذهب إلى الحديث عن ضياع ملفات وتعطيل أخرى وترك قضايا على الرف من دون متابعة جادة، وهو ما يجعل الخلل، إذا ثبت، أكثر فداحة.
لأن الملف الحقوقي حين يدخل إلى مؤسسة يفترض أنها جهة إنصاف، ثم يضيع أو يجمد أو يتعفن في الأدراج، فإن الأمر لا يكون مجرد فشل في الأرشفة أو سوء في التنظيم، بل يتحول إلى شكل من أشكال خذلان أصحاب المظالم أنفسهم.
فالمواطن الذي يتوجه إلى مفوضية حقوق الإنسان لا يفعل ذلك من باب الرفاه الإداري، بل لأنه يفترض أنها جهة مخولة قانونا وأخلاقيا لاستقبال مظلمته ومتابعتها بجدية.
وإذا كانت الملفات تتراكم، أو تضيع، أو تتوقف بسبب غياب المسؤولية أو تداخل الصلاحيات أو انعدام المتابعة، فإن المؤسسة لا تكون قد أخفقت فقط في أداء واجبها، بل تكون قد تحولت إلى حلقة إضافية في سلسلة تعطيل الإنصاف.
والسؤال هنا لا يتعلق فقط بوجود ملفات متراكمة من عدمه، بل يتعلق بمنظومة العمل الداخلية كلها: كيف تحفظ الشكاوى؟ من يتابعها؟ من يقرر بشأنها؟ ما هي آجال المعالجة؟ وهل توجد آليات واضحة تسمح بتتبع كل ملف منذ دخوله إلى غاية البت فيه؟ أم أن المؤسسة تشتغل بمنطق الارتجال والفوضى، حيث يمكن أن يختفي الملف، ويتغيب المسؤول، ولا يجد أحد جوابا واضحا؟
ولا تتوقف الانتقادات عند هذا الحد، بل تمتد إلى ما هو أشد خطورة على المستوى الأخلاقي والإداري، وهو الحديث عن انتشار الزبونية والمحسوبية وتغليب منطق العلاقات والمصالح على منطق الخدمة العمومية.
وهذه النقطة، إن صحت، لا تضرب فقط صورة المؤسسة، بل تضرب شرعيتها الأخلاقية في الصميم.
فمؤسسة حقوق الإنسان يفترض أن تقوم على الحياد والإنصاف والتعامل المتساوي مع المواطنين، لا على شبكات الولاء والترضيات وتقاسم الامتيازات.
وإذا كانت بعض دوائر القرار داخل المفوضية تدار بمنطق القرب والولاء والمصلحة، فإن ذلك يعني أن المؤسسة لا تفشل فقط في أداء دورها، بل تستبطن في داخلها المنطق نفسه الذي يفترض أن تواجهه في الخارج، أي منطق اللامساواة والتمييز والانتقائية.
وحينها لا يعود السؤال: لماذا تضعف فعالية المفوضية؟ بل يصبح: كيف يمكن لمؤسسة يقال إنها تدار بهذه العقلية أن تكون أصلا مرجعا للإنصاف؟
أما الملف المالي، فهو أكثر الجوانب حساسية وإثارة للريبة.
فالمعطيات المتداولة عن "صفقات في الظلام" لا يمكن التعامل معها كهمس عابر أو خصومة إعلامية عادية، لأنها تمس مباشرة مصير المال العام داخل مؤسسة يفترض أن كل أوقية فيها موجهة لحماية الحقوق والعمل الإنساني ودعم الفئات الهشة ومواكبة المجتمع المدني.
المال الذي يخصص لمفوضية حقوق الإنسان لا يخصص لتجميل الواجهة ولا لصناعة النفوذ الشخصي، بل يفترض أن يذهب إلى برامج الحماية، ومواكبة الضحايا، والتدخلات الميدانية، والتكوين، والتحسيس، والتنسيق مع الجمعيات، وبناء آليات الرصد والمتابعة.
وإذا كانت المؤسسة عاجزة، رغم ما يفترض أنها تتوفر عليه من وسائل واعتمادات، عن إظهار أثر واضح لهذا الإنفاق في الميدان، فإن السؤال عن مصير الموارد يصبح سؤالا مشروعا لا يمكن دفنه تحت البيانات العامة.
أين صرفت الأموال؟ ما حجم الصفقات التي أبرمتها المفوضية خلال السنوات الأخيرة؟ من استفاد منها؟ هل احترمت فيها قواعد الشفافية والمنافسة والمطابقة؟ وهل يوجد تطابق بين ما أنفق وما أنجز فعلا على الأرض؟
هذه ليست أسئلة ترفية ولا مزايدات سياسية، بل صلب المساءلة حين يتعلق الأمر بمؤسسة تمول من المال العام باسم الإنسان وحقوقه.
ولعل ما يزيد المشهد قتامة أن المفوضية تبدو، في نظر عدد من المتابعين، منشغلة بإنتاج الصورة أكثر من انشغالها بإنتاج الأثر.
فهي تتحدث كثيرا عن حقوق الإنسان، وعن العمل الإنساني، وعن الشراكة مع المجتمع المدني، وعن محاربة الاسترقاق والاتجار بالبشر، لكن حضورها في الملفات الثقيلة لا يبدو، في نظر المنتقدين، بمستوى هذا الخطاب.
وفي بلد لا تزال فيه قضايا الحقوق والحريات والهشاشة الاجتماعية والمظالم مفتوحة، كان يفترض أن تكون المفوضية حاضرة بقوة في النقاش العام، واضحة في تدخلاتها، سريعة في استجابتها، وقريبة من الملفات الحقيقية التي تؤلم الناس.
غير أن الانطباع الذي يترسخ لدى كثيرين هو أن المؤسسة تتوسع في اللغة وتضيق في الفعل، وتكبر في العناوين بينما يظل أثرها في الميدان أقل بكثير من حجم الصلاحيات والموارد والصفة الاعتبارية التي تتمتع بها.
وفي قلب هذه الصورة، يبرز سلوك آخر يراه منتقدو المفوضية أكثر من مجرد تفصيل جانبي، بل جزءا من طريقة إدارة الأزمة نفسها، وهو محاولة المفوض التستر على فشل القطاع، لا عبر كشف حساب واضح أو معالجة الاختلالات أو مصارحة الرأي العام، بل عبر الاستثمار في صورته السياسية وتقديم نفسه بوصفه "رجل إجماع" وصاحب حضور جامع داخل الأغلبية.
فبدلا من أن يواجه الأسئلة الثقيلة المتعلقة بواقع المفوضية، وبالحديث عن المكاتب المغلقة والملفات الضائعة والجمود الإداري وشبهات المحسوبية والصفقات، يبدو أن الجهد يذهب، في نظر منتقديه، إلى بناء صورة سياسية موازية للمسؤول، صورة الرجل القادر على جمع الأطر والوجهاء والفاعلين حوله، بما يخفف من وطأة الأسئلة المطروحة حول حصيلته الإدارية.
ويستشهد أصحاب هذا الرأي بما حدث خلال الأيام الأخيرة في نواذيبو، حين استضاف المفوض في منزله وفد حزب الإنصاف ومنسقه على مستوى ولاية داخلت نواذيبو، في لقاء ذي طابع سياسي واضح، قدمته بعض التغطيات باعتباره عشاء يكرس المفوض بوصفه "رجل إجماع" و"صاحب حضور وازن" داخل الولاية.
وبغض النظر عن الحق الشخصي لأي مسؤول في علاقاته السياسية والاجتماعية، فإن الإشكال هنا، في نظر منتقديه، لا يتعلق بوليمة أو لقاء حزبي في حد ذاته، بل بالدلالة السياسية لهذا السلوك في توقيت تزداد فيه الأسئلة حول وضعية المفوضية.
فهل كانت المؤسسة بحاجة إلى مزيد من هندسة الصورة السياسية لرئيسها، أم إلى فتح الأبواب المغلقة، وإخراج الملفات من الأدراج، وتقديم حصيلة واضحة للرأي العام، ووقف كل ما يثار عن العبث الإداري والمالي؟
حين يتحول المسؤول عن قطاع حقوقي وإنساني إلى فاعل منشغل بتكريس حضوره داخل شبكات الحزب والوجاهة المحلية، يصبح من المشروع أن يطرح السؤال عما إذا كانت الأولوية لا تزال للمرفق العمومي أم لصناعة المكانة الشخصية.
ويبدو أن هذا العشاء السياسي في نواذيبو، الذي أبرزته بعض التغطيات بوصفه مناسبة جامعة وذات دلالة تنظيمية وسياسية، لا يساعد على تبديد هذه الشكوك، بل يمنحها بعدا إضافيا، لأنه يعزز الانطباع بأن المفوض يحاول، في لحظة مساءلة صامتة، أن يحتمي بالسياسة من الإدارة، وبالحضور الحزبي من كشف الحساب المهني.
المشكلة أن هذا الأسلوب، إذا كان قائما بالفعل، لا يعالج شيئا من أصل الأزمة.
فالقطاع الذي يثار حوله كل هذا الجدل لا يحتاج إلى تسويق صورة المسؤول بقدر ما يحتاج إلى أجوبة صريحة: كم عدد الملفات الموجودة فعلا على المكاتب؟ كم منها تمت معالجته؟ كم منها ظل معلقا؟ ما هي آليات التتبع؟ كيف تدار الشكاوى؟ ما حجم الصفقات والعقود؟ ما طبيعة التعيينات والمسؤوليات الداخلية؟ وما الذي تحقق فعلا في ملفات يفترض أنها في قلب اختصاص المفوضية؟
إن الرهان على الوجاهة السياسية أو على صناعة صورة الرجل الجامع قد يفيد مؤقتا في خلق ضجيج مضاد، لكنه لا يغلق باب الأسئلة، ولا يمحو آثار الفشل إن كانت موجودة، ولا يقنع الرأي العام بأن مؤسسة بهذا الحجم يمكن أن تستمر في العمل بمنطق التعتيم والتأجيل والعلاقات العامة.
ومن هنا، يصبح الحديث عن ضرورة تدخل المفتشية العامة للدولة، أو أي جهاز رقابي مختص، حديثا يتجاوز الرغبة الإعلامية أو الخصومة السياسية، إلى مطلب مؤسسي خالص.
فالمفوضية، إذا كانت بريئة من كل ما يثار حولها، فإن التفتيش سيكون في مصلحتها قبل غيرها، لأنه سيضع حدا للاتهامات ويعيد بناء الثقة.
أما إذا كانت هذه المعطيات تستند إلى وقائع حقيقية، كليا أو جزئيا، فإن أي تأخر في فتح افتحاص جاد يعني ترك مؤسسة يفترض أن تحمي الحقوق تغرق أكثر في الاختلال، وترك المال العام والوظيفة العمومية والملفات الحساسة في منطقة رمادية لا يعرف فيها المواطن أين تبدأ المسؤولية وأين تنتهي.
المطلوب هنا ليس زيارة بروتوكولية ولا تقريرا إنشائيا، بل افتحاصا إداريا وماليا ووظيفيا شاملا، يراجع وضعية الملفات، وآليات معالجتها، وانتظام المسؤولين، وطبيعة الصفقات، وأوجه الصرف، ومدى احترام المساطر، وحقيقة ما أنجز في الميدان مقارنة بما يعلن عنه في البيانات والورشات والتغطيات.
إن ما يثار اليوم حول مفوضية حقوق الإنسان والعمل الإنساني ليس تفصيلا عابرا ولا مجرد ضوضاء إعلامية موسمية، بل ملف يمس واحدة من أكثر المؤسسات حساسية في الدولة.
فهذه المفوضية، بحكم اسمها ووظيفتها، يفترض أن تكون صوتا للضعفاء، وملاذا للضحايا، وجسرا بين الإدارة والمجتمع المدني، وآلية لحماية الحقوق لا لابتلاعها في البيروقراطية.
وإذا كانت قد تحولت، كما تقول الشهادات المتداولة، إلى مؤسسة مثقلة بالمكاتب المغلقة، والملفات الضائعة، والمسؤوليات الغائبة، والصفقات المشبوهة، والمحسوبية، وتلميع المسؤول بدل إصلاح الإدارة، فإن القضية لم تعد تتعلق بفشل قطاع فحسب، بل بانهيار المعنى الذي يفترض أن تحمله هذه المؤسسة.
ولهذا فإن أقل ما يقتضيه الواجب اليوم هو فتح هذا الملف بجدية كاملة، بعيدا عن المجاملة وبعيدا عن الحماية المتبادلة بين المسؤولين.
لأن استمرار الوضع على هذا النحو لا يعني فقط تعميق أزمة الثقة في المفوضية، بل يعني أيضا تحويل مؤسسة أنشئت باسم حقوق الإنسان والعمل الإنساني إلى مثال جديد على كيف يمكن للمرفق العمومي أن يفقد رسالته حين يبتلع المسؤول المؤسسة، وتبتلع الواجهة الحقيقة، ويحل السعي إلى النفوذ محل السعي إلى الخدمة العامة.

