
في أروقة الإدارات عندنا في موريتانيا لا تروى كل القصص بصوت مرتفع. بعضها يظل حبيس المكاتب والمجالس المغلقة، ينتظر لحظة تكشف فيها الأيام ما أخفته الحسابات الضيقة.
من بين تلك القصص، تبرز حكاية المهندس أحمدو سالك ولد محمد سالم ولد المعمر ‘أميي علما ‘ ..
فعندما أُغلقت شركة ENER، بعد الزلزال الذي أحدثه ملف مديرها السابق وما ترتب عليه من إجراءات وتداعيات …
كان كثيرون يتوقعون أن يجد الرجل، الذي أستلم المؤسسة بعد اغتقال مديرها السابق والذي أشرف كذالك على مشاريع مهمة وعرف بدقته في العمل وحرصه على المال العام، موقعا يليق بخبرته ومساره المهني. لكن ما حدث كان مختلفا تماما…..
اختفى اسمه من المشهد. وحرم ظلما وعدوانا من التعيين ….!
مرت السنوات، وتوالت التعيينات، وتعاقبت الوجوه على المناصب….كان المشهد يتكرر في كل مرة: أسماء جديدة، وأخرى قديمة تعود من النافذة بعد أن خرجت من الباب، بينما ظل اسم’ أميي ‘ – كما نلقبه – بعيدا عن كل القوائم، وكأنه لم يكن يوما جزءا من هذا القطاع.
كان البعض يتساءل بصمت: ما الذي اقترفه الرجل؟ هل أخفق في أداء مهامه؟ هل ارتبط اسمه بملف فساد أو سوء تسيير؟….
لم يكن هناك شيء من ذلك.
كل ما في الأمر، كما يبدو، أنه مارس عمله بالجدية التي يفترض أن تكون قاعدة لا استثناء، وتعامل مع المال العام باعتباره أمانة ..، وهي صفات قد تبدو مطلوبة، لكنها لا تحظى دائمًا بالشعبية داخل بعض الدوائر المغلقة.
ومع مرور الوقت، بدأت الصورة تتضح شيئًا فشيئا…فقد كان غيابه عن المشهد يثير الاستغراب هل كان إبعاده مجرد قرار إداري عابر، أم أن وجوده كان يشكل مصدر إزعاج لبعض من اعتادوا العمل في بيئة لا تحب كثيرا العيون المفتوحة؟
فالرجل، ويا للمشكلة، كان يتعامل مع مشاريع البنى التحتية وكأنها ستبقى لعقود . كان يصر على أن تنجز الطرق وفق المعايير الفنية المطلوبة، وأن لا تتحول الطبقات الإسفلتية إلى مجرد ديكور فوق الرمال، وكان ينظر إلى الجسور باعتبارها منشآت لحماية الأرواح بعيدا عن أرقام تضاف إلى حصيلة الإنجازات السنوية.
ولعل هذه كانت خطيئته الكبرى. فالتشدد في معايير السلامة لا يبدو دائمًا صفة محببة لدى بعض “البطارين” الذين مردوا على اخذ العوملات علاوة على كره هذا الصنف من طرف مكاتب الإشراف والمقاولين الباحثين عن “مرونة” أكبر في تفسير المواصفات الفنية. أما أحمدو سالك فكان، للأسف، من أولئك الذين يقرؤون دفاتر الشروط كما كُتبت، ..بعيدا كل البعد عن مايرغب بعض لصوص المال العام في قراءة تلك الشروط ….
وربما لهذا السبب لم يكن وجوده مريحا للجميع. فالمهندس الذي يسأل عن جودة الإسفلت، وسلامة الجسور، واحترام المعايير الفتية والآجال ، قد يتحول في بعض البيئات إلى شخص مزعج …وعندما تصبح الصرامة المهنية مصدر قلق، فمن الطبيعي أن يجد صاحبها نفسه خارج الصورة، بينما يفسح المجال لمن هم أكثر قدرة على التعايش مع منطق “الأمور تسير على ما يرام”…والأمور بخير حتى يثبت تقرير أو حادث أو انهيار عكس ذلك
الرجل الذي بقي سنوات على الهامش لم يتغير، لكن الظروف من حوله هي التي تغيرت. الذين كانوا بالأمس أصحاب القرار غادر كثير منهم المشهد، وبعضهم غادره مثقلا بالتقارير والاتهامات، بينما بقيت سيرة الرجل المهنية على حالها، بلا فضائح ولا شبهات ولا ملفات ثقيلة.”تاريخ ابيض ناصع مكتوب اممحص بالذهب ” كما كانت المعلومة منت الميداح تلقب الرئيس أحمد داداه – أطال الله بقاءه ‘
قضية المهندس احمدو سالك واحدة من تلك المفارقات التي تثير الدهشة في الإدارة العامة: يدفع النزيه إلى الخلف لأنه لا يجيد لعبة المجاملات، بينما يتقدم آخرون لأنهم أكثر قدرة على التكيف مع واقع لا يزعجه طرح الأسئلة.
لكن الزمن، على علاته، يملك قدرة نادرة على فرز الأشخاص. فما كان غامضا بالأمس أصبح اليوم أكثر وضوحا. فحين تكشف التقارير ما كانت تخفيه الجدران، يدرك الجميع أن بعض الناس لم يبعدوا لأنهم فشلوا، بل لأنهم كانوا ينجحون في المكان الخطأ وبين الأشخاص الخطأ.

