
لم يكن يوم دوام عادي، كل العاملين وكبار الموظفين حضروا في وقت مبكر، رابط البعض وراء المكاتب منتظرين ساعة الصفر، وترك عمال النظافة بصماتهم على زجاج النوافذ والجدران وأرضيات الممرات وواجهات المكاتب، وكانت رائحة عطور نفاذة تعبق الأجواء، ووقع حركة المصورين وفنيي الإضاءة وموظفي الإدارات تملأ المكان جيئة وذهابا..ترك البعض مكاتبهم وخرجوا إلى المداخل ليكونوا في طليعة المستقبلين، واكتفى البعض بمراقبة المشهد عن بعد، كان الفضول الصحفي يدفعني للخروج من المكتب واستطلاع الوضع عن كثب، لكن الضوابط والأعراف تقتضي أن أبقى في المكتب لحين انتهاء مراسيم الاستقبال، كنت أعيش صراعا بين أن أتقمص دور الصحفي المجازف أو ارتدي قبعة الإداري المنضبط ، لم تستبد بي الحيرة كثيرا فاخترت المجازفة بالخروج، وأن أكون في طليعة المستقبلين وحتى آخذ انطباعا عن الضيف الوافد والذي ليس سوى المدير الجديد لقناة الموريتانية في أول أيام تسلمه للعمل بالمؤسسة، توقعت تركيزا واهتماما خاصا بمراعاة البروتوكال والضوابط الإدارية أثناء النزول من السيارة ومقابلة المستقبلين فوجدت تواضعا جما وأريحية في التعامل مع الجميع، وكأن لهم بالمدير الجديد ألفة وسابق معرفة، لم يكن من ذلك النمط الذي يتصنع الجدية والصرامة ليداري الضعف وسوء التقدير للأمور، ولا من المديرين المتساهلين الذين يرفعون شعار: "دعه يعمل دعه يمر" أو أن ليس بالإمكان أبدع مما كان، بل إن الأيام أثبتت أن لديه رؤية ثاقبة للتطوير والإصلاح، وأنه يحمل مشروعا متكاملا للنهوض بهذا المرفق الحيوي بعدما الذي وفد إليه من الوزارة الأولى كمستشار مكلف بالاتصال، ولعل من ملامح تلك الرؤية ترسيخ روح الانضباط والمؤسسية، واستثمار المتوفر من موارد بشرية ومادية بما يحقق الأهداف المنشودة ويدفع بالعمل إلى أفاق جديدة من التمييز والنجاح....
لكن ما أكبر المدير الجديد في عيني ذلك التحرر من "لوبيات" الضغط وجماعات المصالح والتي طالما احتنكت مديرين سابقين ومن أول يوم فوجهت بوصلة الاهتمام والتركيز، وأسلمت قيادة الأمور إلى المزيد من الضبابية والتخبط...ظل المدير الجديد "شوراويا" منفتحا على كل الآراء، يتمثل المقولة:" ما خاب من استشار"
والرأي قبل شجاعة الشجعان هو أول وهي المحل الثاني
إن بصمات المدير الجديد أخذت تتجلى أكثر بعد أيام قليلة من تسلمه للعمل لتخلق أجواء من المسؤولية والثقة، وترسم نهجا في النزاهة والشفافية واحترام المال العام طالما أرق غيابها، يحدثني أحد الثقات: أن كل سيارات الدفع التابعة للمؤسسة لم تبرح مكانها إلا في مهام محددة منذ صدور قرار حظر التنقل بالسيارات العمومية خارج الدوام، وأن المدير أعطى تعليمات صارمة بهذا الخصوص....
وإذا كان ما يسمى بصراع الأجيال أحد معوقات التطوير الإداري فإن الإدارة الجديدة لا يمكن أن ترمى بذلك بعدما أفصحت عن توجهاتها الشبابية، وأظهرت اهتماما بالمواهب الشابة في التلفزة، وأثبتت قدرتها على الاستفادة من تجارب السابقين ودمج قدرات الشباب الذين هم الأقدر على التعاطي مع إعلام القرية الكونية الواحد والاتصال التفاعلي، وهكذا تسنم بعض هؤلاء مواقع قيادية في إداراتهم ولأول مرة، وما زال بعضهم ينتظر وهو على يقين أن الدور سيأتي عليه ما دام الإنجاز والعطاء هو معايير التميز وما دامت الضوابط واللوائح المنظمة هي الفيصل في نيل المناصب والامتيازات..
فهنيئا للتلفزة الوطنية بمديرها..وطوبى لجهورها والعاملين فيها بهذه الرؤية الإصلاحية المتفردة والتي بدأت تؤتي أكلها: تميزا في المحتوى، ومؤسسية في الإدارة، وشفافية في التسيير.
الحضرامي ولد النهاه

