حكومة غزواني الجديدة ورسالة حسم مركز القرار

ثلاثاء, 2026-10-13 19:15

كثير من المواطنين بمختلف مشاربهم الفكرية كانوا يعتقدون أن بعض وزراء السيادة هم من يحكمون موريتانيا بالفعل قبل أن تفاجئهم التشكيلة الحكومية الجديدة والتي طرحت سؤالًا جوهريًا مفاده أن وزراء مثل وزير الدفاع ووزير الداخلية؛ هل كانوا أصحاب القرار الفعلي أو على الأقل شركاء فيه بالندية؛ أم أنهم كانوا يشغلون فقط مواقع حساسة داخل منظومة قرار يقودها فخامة رئيس الجمهورية وينفرد بتوقيعها؟

  

عندما أعلنت رئاسة الجمهورية الإسلامية الموريتانية، مساء 10 أكتوبر 2026 عن حكومة جديدة برئاسة المختار ولد اجاي، برزت ملاحظات كبيرة وهامة جدا منها مغادرة حننا ولد سيدي وزارة الدفاع ومحمد أحمد ولد محمد الأمين وزارة الداخلية، وهما من أبرز الوزراء الذين رافقوا الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني منذ وصوله إلى السلطة سنة 2019.

 

إن هذه المغادرة فتحت الباب أمام قراءة سياسية تتجاوز الأسماء والمناصب إلى طبيعة السلطة نفسها، واتضح من خلالها بما لا لبس فيه أن:

 

أولا: المنصب الحساس لا يعني امتلاك القرار النهائي:

فقد يتمتع وزير الدفاع مثلا أو وزير الداخلية بنفوذ واسع بحكم طبيعة الملفات التي يشرف عليها، وبحكم علاقاته المؤسسية وخبرته المتراكمة. لكن النفوذ داخل الدولة لا يعني بالضرورة امتلاك سلطة القرار السياسي الأعلى.

 

ففي الأنظمة التي تتمركز فيها السلطة التنفيذية حول رئيس الجمهورية، يمكن للوزير أن يكون فاعلًا قويًا في إدارة الملفات، من دون أن يكون صاحب الكلمة الأخيرة في التوجهات الاستراتيجية.

 

ومن هنا، فإن خروج الوزير من منصبه، مهما بلغت أهميته، يذكّر بأن المناصب تستمد سلطتها من المؤسسات والصلاحيات الممنوحة لها، لا من الاعتقاد بأن شاغليها أصبحوا فوق سلطة التغيير.

 

ثانيا: ماذا تقول التشكيلة الجديدة عن ولد الغزواني؟

يمكن قراءة التعديل باعتباره تأكيدا على أن الرئيس يحتفظ بسلطة إعادة تشكيل فريقه التنفيذي، حتى عندما يتعلق الأمر بوزراء شغلوا مواقع سيادية وحساسة لسنوات.

 

لكن ينبغي التمييز بين ثلاث مسائل:

- سلطة التعيين والإقالة: وهي جزء من الآليات الدستورية لتشكيل السلطة التنفيذية؛ وهنا بالذات ظهر أنها بدءا وختاما حصرية بيد فخامة الرئيس.

- النفوذ داخل مؤسسات الدولة: وهو الذي أظهرت التجربة مع حكومتنا الماضية أنه يتفاوت بحسب طبيعة القطاع، والعلاقات المؤسسية، والخبرة التي بحوزة رأس القطاع.

- صناعة القرار الاستراتيجي: وهي المسألة التي تحتاج إلى أدلة عملية لمعرفة حدود مشاركة كل طرف فيها إلى جانب ما يتمتع به فخامة الرئيس من صلاحيات واسعة في ذات المجال.

 

وبالتالي، فإن هذا التغيير أكد قدرة الرئيس على إعادة ترتيب فريقه، وأثبت أن الوزراء السابقين لم يكونوا يحكمون البلاد فعلا أو مشاطرة مع أنهم كانوا يشركون بطريقة ما كل في مجاله حسب المقتضيات التنفيذية.

 

ثالثًا: هل نحن أمام إعادة توزيع للنفوذ؟

إن مغادرة وزيري الدفاع والداخلية، بالتزامن مع تغييرات أخرى شملت قطاعات اقتصادية وخدمية، يمكن أن تعكس رغبة في تجديد الفريق الحكومي وإعادة توزيع المسؤوليات. كما أن خروج وزير الطاقة والنفط بعد أزمة انقطاع الكهرباء عن العاصمة، وبعد اطلاع فخامة الرئيس على التقرير النهائي للتحقيق في حرائق الكهرباء، يطرح بقوة مسألة العلاقة بين الأداء القطاعي والمساءلة السياسية فهذه الإقالة نتيجة حتمية لخلاصات التقرير.

 

ومع ذلك، فإن معرفة ما إذا كانت هذه التغييرات تمثل تصحيحًا للأداء، أو إعادة ترتيب لمراكز النفوذ، أو استجابة لاعتبارات أخرى، تتطلب متابعة القرارات اللاحقة وأسباب التعيينات والإقالات، لا الاكتفاء بقراءة الأسماء، والأسابيع المقبلة ربما تحمل الإجابة على ذلك.

 

رابعًا: أين يكمن الاختبار الحقيقي للحكومة الجديدة؟

من الواضح الذي لا مراء فيه أن الحكومة الجديدة لا يطلب منها أو من خلالها إثبات أن الرئيس أقوى من وزرائه؛ وأن لا وزير مهما بلغت رتبته يعتبر شريكا للرئيس في سلطته وقراراته، لا وكلا فذاك مفروغ منه والشيطان الذي كان يوسوس به مات مع ظهور التشكلة الحكومية الجديدة؛ وبات من اللازم على الحكومة إظهار المعيار الأهم وهو أن مؤسسات الدولة أقوى من الأشخاص وهذا هو مكمن الاختبار ومربط الاعتبار.

 

ويتحقق ذلك عندما تكون القرارات واضحة، والصلاحيات محددة، والوزراء قادرين على المبادرة، والمحاسبة مرتبطة بالنتائج، وتستمر المؤسسات في أداء وظائفها رغم تغير المسؤولين.

 

أخيرا: من كانوا يعتقدون أن بعض وزراء السيادة هم من يحكمون البلاد سيراجعون معتقداتهم السياسية، وعليهم أن يميزوا بين قوة المنصب وقوة صاحبه، وبين إدارة الملفات الفنية وامتلاك القرار الاستراتيجي النهائي. فمغادرة وزيرين بارزين تكشف أن موقعهما، مهما بلغت حساسيته، ليس بمنأى عن إعادة التشكيل الرئاسي؛ وإن تمتعا بنفوذ سياسي فاق نظراءهم في الحكومة.

 

وفي النهاية، وإن كان من الأهمية بمكان أن يعي كل مواطن أن قوة القرار الحصرية بيد الرئيس لا يشاركه فيه أحد مشاركة الندية والتماثل، ومع ذلك ندرك أن قوة الدولة لا تقاس بقدرة رئيسها على تغيير الوزراء فحسب، بل بقدرتها هي على ضمان استمرارية المؤسسات، ووضوح المسؤوليات، وربط السلطة بالمحاسبة، وتحويل القرارات إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين.. وطبعا يتطلع جل المواطنين إلى ثورة في إعادة الترتيب والهيكلة في هرم وهياكل الوزرات والإدارات تنشيطا للدماء وترتيبا للبيت وإنصافا تبعا للمقتضى أو عقوبة زجرا والتماسا للجدوى.